You are here: Home الوثية السياسية البيان الإعلان - 1999

البيان الإعلان - 1999

إرسال إلى صديق طباعة

أيها الأصدقاء...

تنشأ حركتنا "حركة الشعب"، في واقع صعب ومأزوم بالنسبة إلى قوى التحرر والتغيير على مستوى لبنان والوطن العربي والعالم الثالث بأسره.

فعلى المستوى العربي، نعيش في خضم عملية "تسوية" معقدة يسمونها سلاماً. وهذه التسوية، إذ تكرس في محصلتها السياسية ميزان القوى المختل بشكل فاضح لغير مصلحة العرب، فإنها تشكل بالنسبة إلى أعدائنا منطلقاً لإعادة رسم صورة النظام الإقليمي وجغرافيته السياسية بما يتلاءم وحاجات السيطرة الإسرائيلية والأميركية الكاملة على البلدان العربية. إن هذا "السلام" الذي يَعدون به ويُعدون له لا يستجيب لطموحات بلداننا في استعادة كامل أراضيها وسيادتها، ويهدد كياناتنا الضعيفة بالتشرذم والتقاتل الداخلي والتفتت في مواجهة كيان صهيوني مدجج بالأسلحة والترسانة النووية وبالدعم الأميركي اللامحدود.

ونحن، على المستوى العالمثالثي، نعيش وسط مركزة للاقتصاد الكوني تسمى "عولمة" تفيد منها شركات متعدية الجنسية ذات طابع غربي - وأميركي في الغالب -، وعلى حساب الاقتصادات الوطنية في دول العالم الثالث التي تبدو أكثر من أي وقت مضى في موقع التابع العاجز عن إيجاد تنمية مستقلة.


 

ونحن، على المستوى المحلي اللبناني، نحيا في قلب واقع يتسم بالجمود حيناً وبالتفكك حيناً آخر. وذلك نابع – أساساً – من استمرار خضوع نظامنا السياسي لقيود الصيغة وللتجاذبات الطائفية. وقد انعكست هذه التجاذبات على مستوى القاعدة الشعبية بحيث كادت تلغي كل الأسس الموضوعية والصحية للصراع، من اجتماعية وفكرية، وتختزلها إلى بعد صراعي واحد أوحد هو الصراع الطائفي. ومن البديهي أن الطائفية تلغي التقدم لأنها تلغي الخيارات العاقلة وتدفعهم إلى قوقعات عصبياتهم البدائية، كما أن الحرب الأهلية، وما تبعها، قد أثبتا أن الطائفية قد تلغي الوطن برمته والنظام بأكمله.

ونحن، على مستوى حركة التحرر الوطني العربية، نعيش في خضم أزمة تعصف بمجمل القوى الوطنية التحررية. ولا شك أن جزءاً من هذه الأزمة إنما يعود إلى ما اعتور دساتير بعض أحزاب هذه الحركة وأنظمتها الداخلية من آفات، وإلى تخلف بعض قياداتها عن التطور الفكري، وإلى غياب التداول داخل بعض الأحزاب لصالح القيادات الشابة، وإلى اختناق بعضها الآخر بنفسها وابتعادها عن التواصل مع المجموعات الاجتماعية والسياسية والثقافية الأخرى.

أيها الأخوة،

إن "حركة الشعب" التي نعلن اليوم عنها، تدرك حجم المصاعب التي تعترض حركة شعبنا نحو أهدافه الوطنية والقومية الكبرى. لكنها تدرك أن نجاحها في استنفار الشعب وحفز إرادته وطاقاته كفيل بتذليل كل المصاعب والانطلاق لبناء النظام والمجتمع الجديدين. وهي تعي أنها لم تنشأ لكي تكون عصبية جديدة تضاف إلى العصبيات التي تنخر مجتمعنا ووطننا. لذلك فقد عمدت إلى خيارات نرى أنها تتجاوز الكثير مما اعتاده العمل السياسي في لبنان. وهذه الخيارات هي:

1-أن "حركة الشعب" لا تتبنى ايديولوجيا محددة وثابتة. ولا يعني هذا أننا جزء من "الحملة" الغبية أو المتغابية – والمشبوهة أحياناً – التي دأبت على التنديد بالإيديولوجيات (والمقصود في الواقع وعلى وجه التخصيص: العقائد والأفكار الثورية والقومية والتحررية لا غير!). بل إن خيارنا هذا قد أملاه علينا واقع تشتت قوى التغيير اللبنانية، والحاجة إلى تجاوز عوامل الفرقة باتجاه استعادة الناس – كل الناس – إلى الهم الوطني والاجتماعي العام. كما أملاه علينا واقع ذاتي لا نخجل من إذاعته، بل نرى فيه عاملاً معززاً لعملية التغيير؛ وهو أن أعضاء الحركة ومؤسسيها ينتمون أصلاً إلى مشارب فكرية وطنية وقومية وتقدمية لاطائفية متعددة؛ وهذا يعني أننا نسعى إلى أن "نركب" نظاماً فكرياً من عقائد متباعدة شهد بعضها في التاريخ الحديث صراعاً سياسياً (ودموياً أحياناً)، وإنما وجدنا أنفسنا – على اختلاف اتجاهاتنا – في مجموعة تتجانس دون أن تتماهى: هاجسها التحرر والوحدة الوطنية والقومية، وأسلوبها النزاهة، ودافعها بغض الطائفية والاستعمار والاحتلال والاستعلاء القومي وروح شبابية متوثبة إلى كسر قيود التخلف والانقسام الوطني...قبل أن تتطلع إلى إثبات صحة هذه العقيدة وخطأ تلك!

2- وأما الخيار الثاني الذي ارتأته "حركة الشعب" فهو السعي إلى ممارسة أقصى درجات الديمقراطية في علاقاتها الداخلية. فحركتنا ليست حزباً بالمعنى الكلاسيكي الضيق للكلمة؛ وللعضو "الحق في أن يدعو لرأيه المخالف لرأي الأغلبية وأن يسعى إلى الترويج لرأيه منفرداً أو مع آخرين يشاركونه الرأي نفسه. وله في ذلك أن يتصل بمؤسسات الحركة المختلفة، وأن ينشر رأيه في نشرة الحركة، أو بأي وسيلة أخرى على أن تلتزم الحركة في هذه الحالة بتقديم الإمكانيات المتاحة لتحقيق هذا الغرض" (انتهى الاقتباس من "الورقة التنظيمية لحركة الشعب"). وقد جاء خيارنا الثاني هذا بعد أن لاحظنا أن الخوف الذي يستبد بالأحزاب من الشللية، والمبالغة في الحرص على وحدة القرار السياسي في هذه الأحزاب، قد أديا في الواقع إلى العكس من ذلك: أي إلى نشوء الشللية فيها، بل إلى تمزقها وتشققها أحياناً. وفي ظننا أن الحرية داخل المنظمة السياسية، بل قيام تيارات داخلها، يضمنان في الواقع تجدد هذه المنظمة باستمرار وعدم تحولها إلى خادم مطيع لرأي القيادة المتنفذة.

3-أما الخيار الثالث الذي رست عليه "حركة الشعب" بعد نقاش صاخب وطويل فهو أن توافق – بقرار من مجلس المندوبين، وهو الهيئة العليا في الحركة – على قبول انتساب مجموعات مكونة سلفاً إليها. فقد لاحظنا أن هناك عدداً من المجموعات السياسية والطلابية والثقافية والمهنية التي تجمعنا بها صلات وثيقة؛ وكانت هذه المجموعات قد خاضت غمار تجارب سابقة فكونت أطراً تنظيمية إلى هذا الحد أو ذاك، ولم ترَ "حركة الشعب" ضرراً في أن تبقى هذه الأطر إن وافقت تلك المجموعات على الانضمام إلى الحركة...بل رأى بعض أعضاء الحركة أن في هذا الانضمام غنى للحركة وللعمل السياسي والثقافي والطلابي على مستوى الوطن أجمع.

أيها الحفل الكريم،

إن مؤتمرنا الصحفي هذا يأتي بعد مؤتمرات تأسيسية ثلاثة على امتداد السنوات الثلاث الماضية، فضلاً عن اجتماعات اسبوعية طوال هذه المدة. ولا ندعي أن ذلك كله كفيل بأن يعصمنا عن الخطأ؛ فالعبرة إنما تكون في التجربة التي قررنا خوضها بجسارة وقوة قلب، بالتحالف مع كل التيارات والقوى والشخصيات الوطنية واللاطائفية الجديدة ذات الباع الطويل في العمل السياسي والنقابي والثقافي والاجتماعي الوطني والديمقراطي. ولكن، ثقوا أن "حركة الشعب" لن تألوا جهداً في العودة عن كل ما تُثبت تجربتها وتجربة الآخرين أنه يناقض الواقع أو طموحات الناس وحرياتهم العامة.

وختاماً، نقول إن "حركة الشعب" هي – كما يدل اسمها – حركة للشعب في لبنان بأسره، ولا تستبعد منها إلا من استبعد نفسه من الشعب لحساب عصبيات طائفية أو مذهبية أو فئوية أو شخصية أو لحساب مصلحة خارجية. وهي تطمح إلى أن تكون جزءاً من ورشة التغيير التي يضطلع بها نقابيون وسياسيون ومثقفون ونقابات وأحزاب واتحادات ومؤسسات مدنية من أجل تحويل "الوطنية اللبنانية" من خطاب وموقف إلى مشروع سياسي واجتماعي وتربوي وثقافي شامل يتصدى للمشاريع الطائفية أو النيوليبرالية التي لم تنتج في وطننا سوى الانقسام والمجارز والحروب والفساد، ويعمل على خلق مجتمع مقاوم للاحتلال الإسرائيلي وللمخططات الأجنبية المتلبسة بألف لبوس ولبوس.

أيها الأخوة،

هي ذي تجربة جديدة، مفعمة بروح الشباب والثقافة والأخلاق والغيرية منفتحة أمام كل مواطنة ومواطن في لبنان، وأمام كل تيار تغييري فيه.

فلنعمل كلنا على تعزيز هذا الأمل ولمنض معاً في تذليل الصعاب وتحقيق أهداف شعبنا في بناء وطن منيع قوي قادر على صون حريته وتثبيت موقع لائق له في هذا العالم.

في: 2/12/1999